نصر حامد أبو زيد
76
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
من عل ، بل هو الحق وكل ما سواه ، في عالم الزمان والمكان ، محتاج اليه . لذلك كان الوحي أرقى منزلة وله الأولوية أمام العقل والواقع ما دام « الكلي » أعظم وأشمل وأكمل من « الجزئي » « 1 » . وإذا كان اهتمام علماء القرآن بالمكي والمدني وبأسباب النزول كان اهتماما نابعا من منطلقات فقهية هدفها التفرقة بين الناسخ والمنسوخ والعام والمقيد وذلك لاستخراج الأحكام الفقهية والشرعية من النصوص ، فان هذا المنطلق الفقهي في حقيقته وجوهره منطلق دلالي ما دام استخراج الحكم من النص لا يتأتى إلا باستقطار الدلالة الدقيقة للنص . لكن الاعتماد على المدخل الفقهي وحده في مناقشة قضايا المكي والمدني وأسباب النزول قد جعل علماء القرآن يقعون في مجموعة من الاضطرابات المفهومية خاصة فيما يرتبط بالحدود الفاصلة بين ما هو مكي وما هو مدني سواء من حيث المضمون أم من حيث البناء والتركيب . 1 - معايير التمييز اعتمد علماء القرآن - غالبا - على معيار مكاني للتفرقة بين المكي والمدني . ولما كان مكان الاتصال / الوحي مرهونا دائما بمكان المتلقي الأول للوحي الذي هاجر من مكة إلى المدينة ، ثم عاد إلى مكة فاتحا ، وأخذ يتردد عليها بعد ذلك زائرا أو حاجا ، فقد ذهب بعضهم إلى « أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة ، والمدني ما نزل بالمدينة » « 2 » . وبالغ بعضهم في التفرقة المكانية فوضعوا تصنيفا خاصا لما نزل بين مكة والمدينة في سفريات الرسول ، وما نزل بعد الهجرة في الفتح أو في الحج ، كما اهتموا بما نزل في غير مكة والمدينة ، وما نزل على الجبال بين السماء والأرض ، وما نزل في الغار تحت الأرض ، وفرقوا كذلك بين السّفري والحضري ، وبين الليلي والنهاري ، وبين السمائي والأرضي « 3 » . وكل هذه التقسيمات التفصيلية تستند إلى معيار المكان أساسا للتقسيم وذلك دون اعتبار لأثر ذلك في النص من حيث المضمون أو من حيث الشكل . وثم معيار آخر للتفرقة بين المكي والمدني هو معيار « المخاطبين » بالنص على التغليب في كل مرحلة من المرحلتين ، ويذهب أصحاب هذا المعيار إلى أن « المكي ما وقع خطابا لأهل مكة ، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة » والعلامة الوحيدة التي تطرح لهذه التفرقة أن « كل سورة فيها ( يا أيها الناس )
--> ( 1 ) محسن الميلي : ظاهرة اليسار الاسلامي ، ص 65 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 9 . ( 3 ) انظر السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 9 .